بقلم – أ. عبير أمير:
ثمة أرواحٌ في هذا العالم ننجذب إليها بفيضٍ من المحبة والامتنان، لا لسطوة حضورها، بل لنبلِ منطقها. هم أولئك الذين يقيمون وزناً لـ “أثر الكلمة”، ويتحسسون وقع نبراتهم في شغاف القلوب قبل أن تنطق بها الشفاه. إنهم “سدنة الحرف” الذين ينمّقون أحاديثهم لا تملقاً، بل استشعاراً لعظمة الأمانة التي تحملها الكلمة.
الكلمة.. منارة القرآن وشجرة الروح
لم تكن الكلمة في المنظور القرآني مجرد صوتٍ عابر، بل هي كيانٌ حيّ ووجودٌ ممتد؛ فقد ضرب الله لنا بها مثلاً يهزّ الوجدان:
“كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ” هذا الثبات في الأصل والسمو في الفرع هو تجسيد لأصحاب اللسان الليّن والخُلق الهيّن؛ أولئك الذين يدركون أن الكلمة إذا خرجت، صارت قدراً لا يُرد، فيختارونها بعناية مَن ينتقي الجواهر، لتكون كلماتهم بلسماً يداوي، لا نصلاً يجرح.

ميزان القلوب: بين اللين والغلظة
وفي مقام التأثير وجذب القلوب، وضع القرآن دستوراً للعلاقات الإنسانية في خطابه لنبيه الكريم:
“وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ”

هذه الآية العظيمة تلخص حقيقة كونية؛ فالفظاظة والغلظة، مهما بلغت وجاهة صاحبها أو نبل مقصده، تظل قوة طاردة تُنفر الناس وتُحدث شروخاً في جدار الود. بينما يظل حُسن اللفظ ولين الكلام هو المغناطيس الذي يجمع القلوب، والجسر الذي تعبر عليه الأفكار والقيم بسلام. إن “الخُلق الهيّن” هو الذي يبني الحصون في النفوس، ويجعل من القائل ملاذاً يُركن إليه

ليتجلى أدب التخاطب: حين يذوب “الأمر” في وعاء “اللطف”
من أسمى درجات الرقي الإنساني أن يترفع المرء عن صيغة “الأمر” الجافة، وإن ملك سلطتها. فنجد أصحاب النفوس الكبيرة يغلفون طلباتهم بوشاحٍ من التقدير: “إن أذنت، ما عليك أمر، لو سمحت..”. هذا ليس مجرد أدبٍ عابر، بل هو وعيٌ تربوي عميق يدرك أن النفس البشرية جُبلت على حب اللين والنفور من الغلظة، وهو امتثالٌ للمنهج النبوي الذي كان يرى في “الكلمة الطيبة صدقة”.

الأثر الذي لا يشيخ
إننا في مسيرتنا التربوية والاجتماعية، لا نعلّم الآخرين بما نقول، بل بـ “كيف” نقول. إن اللطف لغةٌ وجدانية لا تُلقن في القاعات الدراسية، بل تُمتص عبر المواقف وتُحسّ في النظرات. إن هؤلاء الذين يتركون في القلب سكينة وفي الروح أثراً لا يُمحى، هم في الحقيقة “دعاءٌ متنقّل”؛ فكلماتهم تطوي المسافات وتخترق الحجب، وتظل حيّة في ذاكرة الآخرين حتى بعد رحيل أجسادهم.
كن غيماً نافعاً
إن الكلمة هي البصمة الوحيدة التي لا تختفي مع الزمن؛ فإما أن تكون حنظلاً يُورث المرارة، أو مسكاً يفوح كلما مرّ ذكر صاحبه. فلنكن ممن يختارون كلماتهم كمن يختار بذور حديقته، ليبقى أثرنا أخضر، يمنح الطمأنينة لكل عابر، ويصنع من عتمة الأيام ضياءً يَهتدي به التائهون.
فالحياة يا صديقي رحلة قصيرة، لا يخلد فيها إلا “الأثر الطيب”.. ذاك الذي يُقال عند ذكره: “مرّ من هنا، وهذا أريجُ قوله”.

فضلا اترك رد

Trending

اكتشاف المزيد من صحيفة أمواج

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading