
بقلم – خليل هشام أبوتيم:
في ذاكرة جدة التاريخية، حيث تمتزج الحارات العتيقة برائحة البحر، وتختزن الأزقة حكايات الوفاء والأصالة، يبرز اسم العمدة عبدالصمد محمد بوصفه واحدًا من الوجوه الاجتماعية التي لم تنظر إلى العمودية كمنصب إداري فحسب، بل كرسالة إنسانية ومسؤولية وطنية ومجتمعية ممتدة في وجدان الحي وسكانه.
العمدة عبدالصمد محمد، عمدة حارتي اليمن والبحر في جدة التاريخية، ينتمي إلى مدرسة أصيلة في خدمة الناس؛ مدرسة ترى أن مكانة الإنسان لا تُقاس بما يحمله من ألقاب، بل بما يتركه من أثر، وبما يبذله في قضاء الحوائج، وإصلاح ذات البين، والوقوف مع الناس في أفراحهم وأتراحهم.
ولم تكن العمودية في حياة العمدة عبدالصمد محمد طارئة أو عابرة، بل هي إرث عائلي أصيل توارثته أسرته عبر الأجيال، فحملها عن آباء وأجداد أدركوا مكانة العمدة ودوره في حفظ تماسك المجتمع وخدمة الأهالي. ومن هذا الإرث العريق، تشكّلت لديه قناعة راسخة بأن العمودية ليست وجاهة اجتماعية ولا حضورًا شكليًا، بل أمانة متوارثة، ومسؤولية أخلاقية، ورسالة يتجدد عطاؤها مع كل جيل.
ولعل من أبرز الشواهد على مكانته ما حظي به من ثقة ولاة الأمر، وهي ثقة لا تُمنح إلا لمن عُرف بين الناس برجاحة العقل، ونقاء السيرة، وحسن الخلق، والقدرة على تحمل المسؤولية. فقد حمل العمدة عبدالصمد محمد هذه الثقة باعتزاز ومسؤولية، وجعلها عهدًا بينه وبين وطنه ومجتمعه، فكان حاضرًا في خدمة الناس، أمينًا على احتياجاتهم، حريصًا على تمثيل حارته بما يليق بتاريخها ومكانتها، ومؤمنًا بأن ثقة القيادة تكليف قبل أن تكون تشريفًا.
ارتبط اسمه بجدة القديمة، لا بوصفه عمدة لحارتين من أعرق حاراتها فحسب، بل بوصفه شاهدًا حيًا على تحولات المكان، وحارسًا لمعنى الأصالة في زمن تتسارع فيه المتغيرات. يظهر بزيه الحجازي الأصيل، بعمامته وسديريته وثوبه الأبيض، وكأن هيئته امتداد لذاكرة جدة وروحها، إلا أن قيمة حضوره لا تقف عند المظهر التراثي، بل تتجاوزه إلى الحكمة، والقرب من الناس، وحسن الإصغاء لهمومهم.
لقد عاش العمدة عبدالصمد العمودية بروح الأبوة لا بروح السلطة؛ فكان قريبًا من الكبير والصغير، حاضرًا في المناسبات، مبادرًا في الإصلاح، وساعيًا في تخفيف معاناة الناس. عرفه أهل حارته برحابة صدره، وبساطته، وحرصه على أن يكون مركازه موضع استقبال وطمأنينة، تُفتح فيه الأبواب للناس، وتُسمع فيه حاجاتهم، وتُبذل فيه المساعي لما ينفعهم.
ومن أبرز ما يميز مسيرته أنه وسّع مفهوم العمودية إلى فضاء اجتماعي وخيري أشمل؛ فالعمودية عنده ليست معاملات وخطابات فحسب، بل متابعة للناس، وربط بينهم وبين الجهات ذات العلاقة، ومساندة للمحتاج، وتخفيف عن المتعثر، وتعزيز للحمة الاجتماعية داخل الحي.
وقف سفراء التطوع
في الجانب الخيري والتطوعي، برز حضوره بصورة أعمق من خلال موقعه وكيلًا لناظر وقف سفراء التطوع، وهو موقع يعكس الثقة في حكمته وخبرته الاجتماعية وقبوله المجتمعي. ومن خلال هذا الدور، أصبح امتدادًا طبيعيًا لرسالة الوقف في خدمة الإنسان، وتعزيز ثقافة التطوع، ودعم المبادرات التي تستهدف الفئات الأشد احتياجًا.
لقد وجد وقف سفراء التطوع في العمدة عبدالصمد شخصية تجمع بين الأصالة الاجتماعية والخبرة الميدانية والقدرة على تقريب المسافات وفتح الأبواب. فالعمل الخيري لا يقوم على التنظيم وحده، بل يحتاج إلى رجال يعرفون الناس، وتثق بهم المجتمعات، ويستطيعون تحويل المبادرات من أفكار جميلة إلى أثر ملموس في حياة المستفيدين.
وتتجلى قيمة العمدة عبدالصمد في أنه يجمع بين هيبة الكبير وتواضع الخادم، وبين أصالة الماضي ووعي الحاضر. فهو ابن الحارة الذي لم تنفصل قدماه عن أرضها، ورجل المجتمع الذي يؤمن بأن القوة الحقيقية في القرب من الناس، وأن المسؤولية لا تكتمل إلا حين تتحول إلى رحمة وعمل ومبادرة.
إن الحديث عن العمدة عبدالصمد محمد هو حديث عن رجلٍ حمل ذاكرة جدة، وعاش هموم أهلها، وساند مبادرات الخير فيها، وجعل من العمودية بابًا لخدمة الإنسان وصناعة الأثر. رجلٌ أدرك أن المنصب أمانة، وأن خدمة الناس نهج حياة، وأن الإرث لا تكتمل قيمته إلا حين يتحول إلى عطاء، وأن ثقة الوطن والمجتمع لا تُصان إلا بالإخلاص والعمل الصادق.
العمدة عبدالصمد محمد… رجلٌ من جدة، ولجدة، وللناس… رجلٌ جعل من العمودية رسالة، ومن المكان ذاكرة حيّة، ومن خدمة المجتمع طريقًا يترك أثره في القلوب قبل الأماكن.







فضلا اترك رد